شامل فليح .. مايسترو النبلاء لكرة الفقراء

بقلم إياد الصالحي

ودّعت الكرة العراقية فجر أول أمس الخميس، الثلاثين من تشرين الثاني الحالي، أحد رموز جيلها الستيني الكابتن شامل فليح، نتيجة أزمة قلبية حادة فارق الحياة أثرها تاركاً وراءه مسيرة خالدة بالمنجزات والمحطّات والمواقف التي سطّرها في رحلته مع المنتخبات الوطنية والفرقة الثالثة بما يفتخر به الوسط الكروي وموسوعة اللعبة التاريخية.

عانى شامل كثيراً في السنين الأخيرة من مرضه، وما يؤلم أكثر أنه أهمل من قبل مسؤولي الرياضة ممن ينتمي بعضهم الى أسرة كرة القدم سواء من أبناء جيله أم الأجيال التي تلته لاحقاً، فكان موقفهم الخجول مع الراحل وأقرانه لا يتناسب والخدمات التي قدّموها للعراق أيام تمثيلهم المتوالي لمنتخباته الوطنية والعسكرية بلا شروط أو محفّزات.

إن أخلاق شامل فليح وموهبته وطيبة قلبه وزُهده بلا حدود يعد أنموذجاً حيّاً لزملائه آنذاك في زمن الفقراء الذين لم يُسمع لهم صوت، وكانوا مُلتزمين بتعليمات المدربين وإدارات الأندية ولديهم مهارات عالية أدهشت ضيوف البلد من نجوم الكرة العالمية في مقدمتهم البرتغالي أوزبيو وعمالقة الكرة العربية في مصر، وبرغم شحّ المال في حقبة الستينيات حتى مطلع السبعينيات، إلا أن مشاركات منتخباتنا كانت بمستوى الآمال والتنافس “نتائج ومستويات”.

شارك الراحل شامل فليح في مناسبات كروية رائعة، لكن أهمها مساهمته في الفوز بكأس العرب الثانية التي ضيفتها الكويت عام 1964 وهو حدث تأريخي مهم، إذ عدّ فوزنا باللقب يوم 20 تشرين الثاني، أول إنجاز رسمي لمنتخب عراقي خلال عقد الستينيات بلا خليط عسكري وأولمبي، ثم حقق فليح مع زملائه فوزاً تاريخياً أيضاً على منتخب تركيا 2-1 ضمن تصفيات العالم العسكرية ببغداد عام 1964، وبرز ضمن الفريق المشارك في دورة الألعاب العربية الرابعة عام 65 بالقاهرة، وأحرز كأس الجيوش العربية في دمشق العام نفسه، ثم تألق في تصفيات كأس العالم العسكرية عام 1966 ودورة معرض طرابلس أيضأً العام ذاته برغم خسارته مباراته الفاصلة أمام المغرب 1-2، وأخيراً حقق بطولة كأس العرب الثالثة ببغداد يوم 10 نيسان السنة نفسها بفوزه على المنتخب السوري 2-1.

كان الراحل شامل فليح مايسترو خط الوسط ، سريع الحركة في اختراقاته المحورية ، ومتعاون جداً مع زملائه في الملعب، ولم يذكر أي منهم موقفاً ما يُعيب شخصية فليح، بل كان كريم النفس، يسارع الى وأد أية مشكلة قبل أن يتلقّفها الإعلام، وإذا ما واجه مدرب الفريق سواء الفرقة الثالثة أم المنتخبين الوطني والعسكري أية حالة تهدّد تجانس المجموعة يبادر الى تقديم نفسه أول المضحّين من خلال السمو في الأفكار وعدم الانجرار وراء الأقاويل التي لا تفضي الى أية معلومة بقدر سعي البعض للإطاحة بالمدرب أو إضعاف اللاعبين فكان نبِهاً لهكذا أفعال.

ولما مضى، نأمل من وزير الشباب والرياضة عبدالحسين عبطان ورئيس اللجنة الاولمبية الوطنية رعد حمودي المزيد من الاهتمام برواد الرياضة لاسيما ممن يعانون أمراضاً مزمنة، وكذلك دعوة رابطة اللاعبين السابقين الى مواصلة تفقّد النجوم الكبار الذين يشارفون على لفظ أنفاسهم الأخيرة من دون أن يسأل أحد عنهم، وذاك النجم اللامع علي كاظم “مرعب لاعبي المنتخبات الخليجية والعربية” طريح الفراش منذ اسبوع يستنجد برئيس الحكومة الدكتور حيدر العبادي لإنقاذ حياته، ألا يفترض أن تهرعوا لإشعاره أنه وسط إخوته ومحبيه وتقدّموا له الاحتياج الضروري بلا منّة ؟

الرحمة لشامل فليح، والشفاء للرياضيين جميعاً سواء ممن خدموا كرة القدم وغيرها من الألعاب والتحفوا بفراش المرض أم مازالوا مستمرين في العطاء واضعين اسم العراق وعلمه وشعبه نصب عيونهم متطلّعين لتحقيق الميداليات الملونة والكؤوس والألقاب متى ما توفرت لهم الرعاية الحكومية والقطاعية، ليدوم زخم الانتصار العراقي في المحافل الدولية، ونوصي لاعبي الناشئة والشباب والأولمبي والوطني الحاليين أن يقتدوا بسلوك وتفاني وتحدّي رموز كرة الوطن الراحلين عمو بابا وجمولي وشامل فليح وعبدكاظم وكاظم وعل وناطق هاشم وعلي حسين وعباس رحيم وغيرهم العشرات الذين رحلوا ولم يطوهم النسيان أبداً، وهذه مهمة علي هادي وقحطان جثير وعبدالغني شهد وباسم قاسم ليستذكروا بضعاً من وقت الوحدة التدريبية مآثر أولئك الرجال النبلاء.

About Editorial1 458 Articles

الدكتور عبد الجبار البصري رئيس تحرير صحيفة الرياضة العراقية

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply